محمد بن عمر التونسي

260

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

فأطلقت يدي فجلست على فراش هناك ، وانطرحت هي على سريرها ، تتقلب يمنة ويسرة ، وتهزّ منجورها بيديها ، ثم قالت لي : إنّ بي صداعا . فقلت لها : لا بأس عليك . قالت : فاقرأ لي عليه ، لعلّه يذهب . فجئت إليها وقد علمت أن ذلك حيلة منها لمقصودها ، وأن الكبر يمنعها أن تقول لي : هيت لك ، مع أن جميع من كان معها من النساء ذهب ، ولم يبق إلا أنا وهي ، وهناك جارية جالسة خارج الباب ، إن احتاجت إلى شئ دعتها له . قال : فلمّا أكثرت من التقلّب ، ولم تر منّى ميلا إليها ، دعتني لأقرأ على صدغها . فحين وضعت يدي على صدغها وابتدأت القراءة ، ارنعشت تحت ( 237 ) يدي ، وصارت تضطرب اضطراب المذبوح وتتأوّه ، فشممت منها رائحة الطيب فأنعشتنى ، وأخذني ما يأخذ الرجل من النّشاط ، فهممت أن أعلوها ، فأدركني خوف من ابنها السلطان ، لأنه متى وجد مع أمّه أحدا قتله . وقد تكرّر منه ذلك مرارا ، [ إذ كان ] يهجم « 1 » عليها بغير استئذان . لكنّها قد رصدت له أناسا يخبرونها بمجيئه ، فإن كان عندها أحد تحيلت في إخراجه . قال : وخفت أيضا لي « 2 » ، لأنّى كنت سمعت أنها مصابة بداء الحصر ، وهو المعبّر به عند الحكماء بالسّيلان الأبيض ، أعنى : أنّ كلّ من واقعها ابتلى به ، سيّما وقد شاهدت من مرض به منها . قال : فحين أدركني الخوف من هاتين الجهتين برد مابى قليلا ، وكانت قد اطّلعت على حالي أولا ، فلمّا رأت منى الفتور ظنت أنى جائع ، فدعت بجارية لها اسمها : ذراع

--> ( 1 ) في الأصل : مرارا ويهجم ، وما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق ، بعد حذف الواو . ( 2 ) كذا . ولعله يريد أن يقول : خفت على نفسي .